منذ أيام قليلة، وتحديدًا في الرابع عشر من كانون الثاني/يناير، يحتفل علويّو سوريا بعيدٍ تراثيّ عريق يُعرف باسم عيد القوزلة؛ عيد يعرفه كثير من السوريين، ويجهله آخرون، رغم حضوره العميق في الذاكرة الشعبية، ولا سيما في مناطق الساحل السوري كـاللاذقية وطرطوس، إضافة إلى حمص وبعض القرى الداخلية.
- ريم شداد، أحمد العجيل
يُعرف عيد القوزلة أيضًا باسم رأس السنة الشرقية، ويُعدّ من أقدم الأعياد المرتبطة بدورة الزمن والطبيعة. هو عيدٌ يختزن دفء العائلة، واستمرارية المكان، ووهج النار التي لا تزال مشتعلة في الذاكرة، مهما تبدّلت الأزمنة.
أما عن تسمية “القوزلة”، فيرجّح بعض الباحثين أنها مشتقة من كلمة سريانية تعني “التحوّل”، بينما يربطها آخرون بكلمة آشورية هي “قوزلو” وتعني “إيقاد النار”، أو بأصلٍ كنعاني يشير إلى “البداية”. وتبقى هذه التفسيرات اجتهادات تاريخية، تعكس عمق العيد أكثر مما تحسم أصله بشكل قاطع.
النار، الطعام، والذاكرة هي أركان هذا العيد. إذ يُعدّ إشعال النيران الطقس الأبرز، فتُوقد المشاعل في الساحات وعلى أسطح المنازل، رمزًا للنور والتجدد. حول النار، يتجمّع الناس، يتبادلون التهاني، ويستحضرون الأغاني الشعبية المتوارثة، مثل:
بليلة عيد القوزلي
يا فرحة علينا طلي
طل علينا عام جديد
نارو تقزل وتعلي
ع السطح قزلت هالنار
ضحك الليل وصار نهار
حرقنا شو في عداوة
وتصالحنا مع الجار
عيد القوزلة بكانون
أفراح وأكل وفنون
ناس عم بتعايد ناس
وضحكات تغازل العيون
ولا تكتمل القوزلة دون وليمتها؛ مائدة عامرة بالأطعمة التقليدية، أبرزها البرغل المطهو مع العدس، إضافة إلى أطباق بحرية في المناطق الساحلية، وحلويات منزلية تُحضَّر خصيصًا لهذه المناسبة.
أما خبز القوزلة، فهو من أكثر رموز العيد حضورًا: طحين معجون بزيت الزيتون البكر، مضاف إليه السمسم وحبة البركة، يُرقّ ويُخبز على الصاج أو التنور، ثم يُوزّع على الجيران والأقارب في مشهد يعكس روح الألفة والمشاركة.
لكن عيد القوزلة ليس طقسًا فولكلوريًا فحسب؛ بل مناسبة تحمل دلالات أعمق تتصل بالهوية والانتماء. هو لحظة تصالح مع الذات والآخر، وإعادة وصل ما انقطع من صلات الرحم، وتجديد العلاقة بين الإنسان وأرضه وزمنه.
في القوزلة، لا تُشعل النار للدفء فقط، بل لتذكيرنا بأن في التراث حياة، وأن الاحتفال به ليس حنينًا إلى الماضي بقدر ما هو وفاء للذاكرة، وتمسّك بالجذور، وإيمان بأن الهوية لا تُورَّث بالكلام… بل بالممارسة.
